التخطي إلى المحتوى

على وقع إضراب المصارف اللبنانية احتجاجاً على عمليات اقتحام طاولت عدداً من فروعها خلال الأسبوع الماضي سجلت الليرة اللبنانية أدنى مستوياتها مقابل الدولار في السوق الموازية، وتجاوز سعر الصرف عتبة 39 ألف ليرة مقابل الدولار في مستوى هو الأدنى منذ بدء الانهيار الاقتصادي الذي يشهده لبنان منذ قرابة ثلاثة أعوام، ويصنفه البنك الدولي من بين الأسوأ في العالم.

ويعرب مسؤولون في لبنان عن مخاوفهم من استغلال جهات سياسية نافذة الأزمة المالية عبر بوابة المصارف لإطلاق شرارة الفوضى وتحويلها إلى واقع جديد متحكم بالمسار الداخلي مع اقتراب نهاية المهلة الدستورية لانتخاب رئيس جديد للبلاد، لا سيما أن معلومات أمنية تشير إلى أن الأيام المقبلة التي ستلي إضراب المصارف قد تشهد مزيداً من عمليات اقتحام البنوك، إذ يصبح خبر اقتحامها يومياً وروتينياً.

في المقابل تطمئن مصادر في وزارة الداخلية بأن عودة المصارف إلى عملها مع انتهاء الإضراب ستكون آمنة، كاشفة عن خطة يتم العمل عليها بالتنسيق مع المصارف، إذ سيتم نشر تعزيزات أمنية بالقرب من الفروع المصرفية، ولا سيما في المدن، وستكون على اتصال مستمر مع الحماية الخاصة بالمصرف ومدير الفرع. إلا أن المصادر نفسها تؤكد أن الحلول الأمنية وحدها لا تكفي، وأنه من الظلم وضع القوى الأمنية بوجه المواطنين الذين يطالبون بقضية محقة، مطالبةً الحكومة بإقرار خطة التعافي الاقتصادية واتخاذ الإجراءات القانونية لضمان حقوق المودعين بالحصول على ودائعهم عبر خطة اقتصادية واضحة وعادلة.

وفي السياق توقع رئيس جمعية المودعين اللبنانيين حسن مغنية أن تشهد الأيام المقبلة مزيداً من عمليات اقتحام المصارف، معتبراً أن إضراب المصارف هو هرب من معالجة أزمة المودعين ومحاولة لاستثمار عمليات الاقتحام التي قام بها بعض المودعين للضغط على المجلس النيابي لإقرار قانون “الكابيتول كونترول” وخطة التعافي على حساب المودعين.

خياران فقط

بدوره يرى الرئيس الأسبق للجنة الرقابة على المصارف سمير حمود أن الخيارات المتاحة أمام المصارف باتت ضيقة “إما أن تبقى مقفلة وإما عليها أن تضع عناصر حماية على مداخلها. وهذان الخياران لا يمكن أن يحلا المشكلة الكبيرة”، مضيفاً أنه من غير المقبول ألا تتحمل المصارف مسؤوليتها أمام المودعين الذين يطالبون بأموالهم. 

وأوضح أن “الاتجاه نحو تبريد الموضوع وليس نحو صب الزيت عليه وحتى المودع عليه أن يفهم أن اقتحام المصارف بهذه الطريقة ليست صحيحة، وعلى الدولة أيضاً أن تقوم بدورها، فالمودع لديه كامل الحق في الحصول على مدخراته والأزمة المالية الراهنة يجب أن تحل في القريب العاجل”. 

وقال حمود “من يعتقد أن حل مسألة الودائع وحل القطاع المصرفي عبر إعادة هيكلته مرتبط ارتباطاً وثيقاً بصندوق النقد فهو مخطئ، فارتباطنا بالصندوق يأتي بعد الهيكلة وليس قبلها، وارتباطنا بالصندوق فتح الباب أيضاً أمام أسواق المال الدولية وأمام بيوت المال الدولية، كي يقدموا لنا شهادة تؤكد أن القطاع المصرفي يحتضر”. 

وبين أن “صندوق النقد يأتي اتفاقه بعد اتفاقنا على إعادة الهيكلة وترتيب الودائع وحقوقها وإعادتها حتى على المدى الطويل”. 

تجدد الإضرابات

في المقابل أوضح رئيس اتحاد نقابات موظفي المصارف جورج الحاج أن “جمعية المصارف بدأت اتصالاتها مع الجهات الأمنية للوصول إلى صيغة لحماية الموظفين والمواطنين بالتزامن مع انتهاء الإضراب”، مشيراً إلى أن المصارف تقوم بكل ما في وسعها لحل الموضوع، لأن ما حصل أمر خطير، لأنه للمرة الأولى في لبنان تتعرض المصارف لهذه الهجمة، بالتالي نحن ننتظر تحركاً جدياً لعدم تكرار عمليات الاقتحام.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأشار إلى أنه “على ضوء الاقتحامات اتخذت جمعية المصارف القرار بإعلان الإضراب ثلاثة أيام للبحث مع الجهات الرسمية كيفية تأمين الحماية للمودعين والمصرفيين، لأنه في نهاية المطاف عندما يدخل مسلح أو أي مودع يطالب بوديعته، فهذا يشكل خطراً ليس فقط على زملائه وإنما على المودعين الموجودين داخل الفرع، بالتالي من واجبات أصحاب المصارف أن يهتموا بهذا الموضوع وفي الوقت نفسه من واجبات الدولة اللبنانية رعاية أمن كل المواطنين اللبنانيين في مراكز عملهم أو خارجها”. 

وطالب الحاج بإيجاد حل من قبل الدولة لموضوع الودائع عبر خطة تهدف إلى إعادة النمو للاقتصاد الوطني ولإعادة جلب الاستثمارات من الخارج، داعياً جميع القوى السياسية إلى الخروج من لعبة المصالح لإيجاد حل جدي لمعضلة الودائع. وقال “طالما لا تدفقات مالية بالعملة الصعبة والدولار النقدي يختفي أيضاً من السوق فهذا سيربك المودعين ويدفعهم نحو التمرد على الواقع الحالي، وحتماً سيؤدي إلى مزيد من الانهيارات والخلافات بين المصارف والمودعين، ومن الممكن أن تتجدد الإضرابات”.

إسقاط خطة التعافي

من ناحيته أشار عضو رابطة المودعين والباحث الاقتصادي نزار غانم إلى أن المصارف تحاول ابتزاز الجميع وتحديداً المودعين والسياسيين لفرض شروطها على الخطة التي سيتم العمل بها، موضحاً أن الوضع العام في البلد مفصلي. وأكد أن الخطة المالية التي تقترحها الحكومة تستوفي شكلاً الشروط الأساسية، مستهجناً في الوقت نفسه محاولات المصارف المستمرة لإسقاط الخطة بالكامل كما يحصل حالياً جراء الإضرابات والابتزاز السياسي الحاصل، أو بطريقة أخرى عبر الضغط على الحكومة لإفراغ فحوى الخطة من مضمونها عبر الإصرار على مجموعة من الألغام والاستثناءات داخل النص ما يشكل المدخل لحماية المصارف على حساب المودعين والمال العام. 

واعتبر غانم أن خطة الحكومة الموضوعة والشروط التي تعد جيدة وتستوفي عديد من المطالب التي كانت متوفرة في الأساس منها، أن تُقر مبدأ الحماية والتعويض، والمبدأ الآخر الذي نوافق عليه في الخطة هو توحيد سعر الصرف، وهذا مطلبنا منذ ثلاث سنوات، كما أن الخطة تحترم التسلسل الهرمي لامتصاص الخسائر عبر اتفاقية. 

وأوضح غانم أن “مفهوم الودائع المؤهلة وغير المؤهلة في الخطة يعطي قدرة للمصارف على استثناء عديد من المودعين من عملية التغطية ضمن إطار هذه الخطة”، مضيفاً “نحن نتعامل بإيجابية مع الخطة، ونعتبر أنها تستوفي الشروط الأساسية لبدء الحوار حولها، كما نحذر القوى السياسية والمصارف من محاولة إسقاط هذه الخطة لأنها آخر رصاصة لدينا لإنقاذ لبنان والذهاب نحو سيناريو تعافٍ مالي خلال خمس سنوات”، مشدداً على أن إسقاط الخطة سيكون مأساة للأمن الاجتماعي في البلد، وسيؤدي لانهيار سريع كما سنشهد على أعمال عنف كبيرة داخل المجتمع.

إشارة سلبية

وبالتزامن مع إضراب المصارف يزور وفد من صندوق النقد الدولي لبنان، إذ يلتقي مسؤولين عدة لمتابعة تطبيق الإصلاحات المطلوبة بعد إعلان الصندوق في أبريل (نيسان) توصله إلى اتفاق مبدئي مع لبنان على خطة مساعدة بقيمة ثلاثة مليارات دولار مقسطة على أربع سنوات، لكن المتحدث باسم الصندوق جيري رايس أعلن أن تقدم لبنان بطيء في تنفيذ بعض الإجراءات الملحة للمضي قدماً في برنامج دعم للبنان.

وفي إشارة سلبية أعلن وزير المالية اللبناني يوسف الخليل بعد لقاء مع رئيس بعثة صندوق النقد الدولي للمفاوضات برئاسة إرنستو راميريز أن بلاده تواجه مشكلة في الحصول على دعم من الخارج، مشيراً إلى أن النقاش تركز حول موازنة لبنان العامة لعام 2023، وعلى الفارق بينها وبين موازنة عام 2022. وقال “نحن في مرحلة صعبة جداً، لقد سبق أن تخلفنا عن سداد ديون مهمة، وباتت أمامنا مشكلة هي عدم قدرتنا على الحصول على دعم من الخارج خصوصاً بعد الأزمة الأوكرانية”.

وبحسب المعلومات فإن وفد صندوق النقد نقل استياءه لرئيس المجلس النيابي نبيه بري من فشل البرلمان إقرار موازنة عام 2022 على رغم انقضاء العام تقريباً، وكذلك تعليق مشروع “الكابيتال كونترول”، في وقت تضيق فيه المهل الدستورية مع دخول البلاد مرحلة انتخاب رئيس للجمهورية، بالتالي تحول المجلس إلى هيئة ناخبة، الأمر الذي سيؤدي إلى تأجيل التشريعات الأساسية لأجل غير واضح، إذ إن إمكانية دخول لبنان في فراغ رئاسي باتت مرجحة.

وتشير المعطيات إلى أن الوفد أبلغ وزير المال بعض الملاحظات التي وردت في الموازنة المقترحة وأبرزها سعر صرف الليرة مقابل الدولار، إذ إن استمرار تدهور سعر الصرف يحول الموازنة إلى أرقام وهمية، إضافة إلى تضمنها عدة أسعار للصرف، منها استمرار السعر الرسمي 1520، واعتماد 12 ألف ليرة لما يعرف بالدولار الجمركي، إضافة إلى زيادة عشوائية لرواتب موظفي القطاع العام تبلغ ثلاثة أضعاف من دون تأمين واردات، الأمر الذي يدخل البلاد في أزمة تضخم مفرغة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *