التخطي إلى المحتوى

يستعد لبنان وإسرائيل للتوقيع على اتفاق جرى التوصل إليه برعاية أميركية، من خلال الوسيط آموس هوكشتاين الذي اضطلع بدور رئيس في إبرامه؛ وذلك لترسيم الحدود البحرية بينهما، حيث يسعى الطرفان لاستغلال ما يُعتقَد أنها كميات كبيرة من النفط والغاز الطبيعي اكتُشفت في السنوات الأخيرة في مناطق شرق البحر الأبيض المتوسط. وقد وصف الرئيس الأميركي جو بايدن الاتفاق، الذي واكبه حزب الله ووافق عليه، بأنه “اختراق تاريخي”. ومع ذلك، يعاني الاتفاق ثغرات عديدة.

تاريخ الوساطة الأميركية

تسعى الولايات المتحدة الأميركية منذ نحو عشر سنوات لإبرام اتفاق لترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، وقد تَعاقب على هذا الملف عدد من الوسطاء الأميركيين، منهم فريدريك هوف، وآموس هوكشتاين، وديفيد ساترفيلد، وديفيد شينكر، وجون ديروشر، قبل أن يعود هوكشتاين لتولي الملف في تشرين الأول/ أكتوبر 2021 ضمن أفكار جديدة أسهمت في إنضاجها جملةٌ من التحولات الإقليمية والسياسات الداخلية في لبنان وإسرائيل. وقد تركزت القضايا الخلافية في السنوات الأخيرة حول شكل التفاوض ومضمونه، مثل: من يدير المحادثات؟ وأين تُعقد؟ وما الجدول الزمني للتوصل إلى اتفاق؟ وما معايير العملية التفاوضية؟ لكنّ التحول الذي طرأ على الموقف اللبناني منذ صيف 2022، سمح بتجاوز القضايا الإجرائية والدخول مباشرة في صلب معايير ترسيم الحدود البحرية. ومن العوامل التي سرّعت التوصل إلى اتفاق الجهودُ الأميركية والضغوط الأوروبية التي تصاعدت بسبب الحاجة إلى مصادر بديلة من الغاز الروسي الذي تسعى أوروبا للاستغناء عنه نتيجة الصراع الدائر في أوكرانيا. وسوف يسمح هذا الاتفاق، بمجرد تصديقه رسميًا، للشركات الأجنبية المعنية ببدء أعمال التنقيب عن النفط والغاز، حيث أعطت فرنسا ضمانات بأن شركة “توتال” الفرنسية ستتخلى عن ترددها في العمل في القطاع رقم 9 مع تعهّد الإدارة الأميركية بأن تضمن تنفيذ الاتفاق.

وعلى الرغم من أن لبنان وإسرائيل في حالة حرب منذ عام 1948، وليس بينهما علاقات دبلوماسية أو حدود مرسومة على نحو واضح ونهائي، فإن ذلك لم يمنع من إجراء مفاوضات بينهما حول قضايا مختلفة خلال العقود الماضية، كما حصل من خلال لجنة مراقبة الحدود عام 1996، واللجنة التقنية الثلاثية التي تديرها الأمم المتحدة في الناقورة، والتي اجتمعت نهاية عام 2020 حين وافق الطرفان، أول مرة، على تفاوض تقني وعسكري لترسيم الحدود البحرية. ومع ذلك، لا يشكّل اتفاق ترسيم الحدود معاهدة دولية أو اتفاقية رسمية بين دولتين بعد اعتراف متبادل، بل اتفاقًا غير مباشر أملته اعتبارات المصلحة الاقتصادية. وقد وجّه الطرفان اللبناني والإسرائيلي على نحو منفصل رسالة تتضمن موافقة كل منهما على الصيغة النهائية للاتفاق إلى الإدارة الأميركية وإلى الأمين العام للأمم المتحدة، قبل أن يتجها إلى الناقورة لتوقيع الاتفاق رسميًا، برعاية الأمم المتحدة وبحضور الوسيط الأميركي. وسوف يقتصر الوفد اللبناني على العسكريين والتقنيين، ولن يكونوا موجودين في الغرفة نفسها مع المسؤولين الإسرائيليين كي لا يُفهم من الأمر أنه مؤشر على أيّ تطبيع.

تبلور الموقفين اللبناني والإسرائيلي

تميز الموقف اللبناني من المفاوضات الأخيرة بالوحدة، على عكس المرات السابقة. وقد تولّى نائب رئيس مجلس النواب، إلياس أبو صعب، منذ حزيران/ يونيو 2022، التنسيق بشأن ملف ترسيم الحدود البحرية بين الرئيس ميشال عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري، ومن خلاله حزب الله، مع الوسيط هوكشتاين. وفي مقابل الانسجام في الموقف اللبناني، تميز الموقف الإسرائيلي بالانقسام والتباين؛ إذ استقال رئيس وفد التفاوض الإسرائيلي لترسيم الحدود البحرية مع لبنان، أودي أديري، من منصبه في 3 تشرين الأول/ أكتوبر 2022، لاعتراضه على وضع رئيس الحكومة الإسرائيلي، يائير لبيد، يده على الملف عبر مستشار الأمن القومي، إيال حولاتا، الذي أدار المفاوضات مع لبنان عبر هوكشتاين بعد استقالة أديري.

وقد تبلور الانسجام في الموقف الرسمي اللبناني مع وصول سفينة تتبع لشركة Energean لتطوير عملية التنقيب عن النفط والغاز في حقل كاريش في 5 حزيران/ يونيو 2022؛ إذ اعترض لبنان على القيام بهذه الخطوة قبل الانتهاء من مفاوضات ترسيم الحدود البحرية، ما أدى إلى توافق رسمي لبناني في 6 حزيران/ يونيو على دعوة هوكشتاين إلى بيروت في 13-14 حزيران/ يونيو. وبعد تأخر الرد الإسرائيلي عبر الوسيط الأميركي على الاقتراح الرسمي اللبناني إعطاء حقل كاريش لإسرائيل في مقابل حصول لبنان على حقل قانا، أطلق حزب الله مسيّرات غير مسلحة في اتجاه حقل كاريش قامت إسرائيل بإسقاطها. وقد أدى الموعد الذي وضعته الحكومة الإسرائيلية لبدء تطوير حقل كاريش للتنقيب عن الغاز في أيلول/ سبتمبر الماضي إلى رفع مستوى التوتر بين الطرفين. لكن التدخل الأميركي والفرنسي دفع إسرائيل إلى التراجع عن تطوير الحقل لإعطاء فرصة للمفاوضات، في حين توقّف حزب الله عن تهديداته. وبعدها سلّم الطرف اللبناني اقتراحًا لهوكشتاين يطلب فيه بكامل حق لبنان في حقل قانا، والقبول بالخط 23، وعدم اقتسام الثروات والحقول مع إسرائيل، وضمان بدء التنقيب فور توقيع الاتفاق، وهي كلها بنود اعتُمدت في مسودة الاتفاق التي سلّمتها السفيرة الأميركية في بيروت، دوروثي شيا، إلى القيادات اللبنانية في 1 تشرين الأول/ أكتوبر 2022. 

لكن قبول لبنان بالخط 23 أساسًا للتفاوض أثار جدلًا داخليًا؛ ذلك أن البعض يرى أن الخط 29 الذي وضعته “مصلحة الهيدروغرافيا” في الجيش اللبناني هو وحده الخط القانوني، وهو الذي “يحفظ حقوق لبنان في المنطقة الاقتصادية الخالصة”، وليس الخط 23 الذي اعتمدته السلطات اللبنانية أساسًا للتفاوض مع الوسيط الأميركي. والفرق أن لبنان يخسر 1430 كيلومترًا مربعًا من مياهه الإقليمية بين الخطين؛ فالخط 23 لا ينطلق من نقطة الحدود البرية في رأس الناقورة، بين لبنان وفلسطين المحتلة، بل من مسافة 30 مترًا شمال رأس الناقورة، ما يعني أيضًا احتلال إسرائيل لما يزيد على 3000 متر مربع في رأس الناقورة.

بعدما اكتملت التفاصيل التقنية للاتفاق، بدأت الخطوات في اتجاه إخراجه سياسيًا؛ إذ عقد المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر اجتماعًا خاصًا في 6 تشرين الأول/ أكتوبر لدرس مسودة الاتفاق حول الحدود البحرية والملاحظات اللبنانية عليها، رفض خلاله الملاحظات اللبنانية. وفي إثر ذلك، أعلن وزير الأمن الإسرائيلي، بيني غانتس، استنفار قواته على “الحدود الشمالية” استعدادًا لأيّ مواجهة محتملة مع حزب الله. لكن هذا الموقف كان في جوهره معدًّا للاستهلاك الداخلي وتحسين شروط التفاوض. أدى ذلك إلى زيادة الانخراط الأميركي في المفاوضات بغية التوصل إلى اتفاق قبل انتهاء ولاية الرئيس عون في نهاية تشرين الأول/ أكتوبر ودخول لبنان في الفراغ الرئاسي، وأيضًا قبل الانتخابات الإسرائيلية في 1 تشرين الثاني/ نوفمبر، حيث يسعى رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق بنيامين نتنياهو، الذي اتهم حكومة لبيد بالتنازل أمام حزب الله، للعودة إلى الحكم. 

وفي 12 تشرين الأول/ أكتوبر، وافق المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر على الاتفاق وأحاله إلى الكنيست في اليوم نفسه حيث عُرض على لجنة الشؤون الخارجية والدفاع، التي تبقى معظم اجتماعاتها سرية، قبل أن يعود الاتفاق إلى مجلس الوزراء للتصديق النهائي عليه في غضون 14 يومًا. وبناءً عليه، سيكون الإقرار الرسمي للاتفاق في 27 تشرين الأول/ أكتوبر؛ أي قبل ثلاثة أيام من انتهاء ولاية عون، وأربعة أيام من الانتخابات الإسرائيلية. أما لبنان، فقد اكتفى بإعلان رئيس الجمهورية موافقته على الاتفاق، وفي ذلك تفادٍ لأيّ تصويت عليه في مجلس الوزراء أو مجلس النواب، فلا يضطر حزب الله وحلفاؤه إلى أخذ موقف رسمي من الاتفاق. 

عمل حزب الله على البقاء بعيدًا عن الأضواء في المفاوضات، تجنبًا لأيّ إحراج أمام جمهوره، لكنه أدى دورًا مهمًا فيها عبر حلفائه، لا سيما عون وبري. وقد التزم الأمين العام للحزب، حسن نصر الله، بتأييد موقف عون مع إنكار أيّ انخراط غير مباشر في المفاوضات، فقال إنّ “البعض اتّهمنا بتضييع الحقوق والتنازل عن خطوط، ونحن ليس لنا أي علاقة بالترسيم، وإن سألتموني أين بحرنا أقول لكم إن بحرنا يمتد إلى غزة”. لكن هذا الكلام لم ينجح في إخفاء حقيقة أن هذا الاتفاق ما كان ليتم لولا موافقة حزب الله، الذي اضطر أمينه العام في نهاية المطاف إلى توضيح موقفه منه، فأعلن في خطاب ألقاه في 11 تشرين الأول/ أكتوبر عن دعمه اتفاق ترسيم الحدود البحرية، وأشار إلى أنه لا يريد أن يستمر في سياسة إرسال مسيّرات أو الاحتكاك مع الجانب الإسرائيلي الذي شرع فور إعلان التوصل إلى اتفاق في إجراء عمليات تجريبية لضخ الغاز من حقل كاريش.

نص اتفاق ترسيم الحدود البحرية

يشير نص الاتفاق، الذي يقع في ستة بنود، إلى أن ترسيم الحدود البحرية بين الطرفين لا يمسّ بوضع الحدود البرية شرق الحدود البحرية، ومن ثمّ فإن هذه المنطقة البحرية تحديدًا سوف ترسّم حدودها في ضوء الاتفاق على ترسيم الحدود البرية بين الطرفين. 

ويشير الاتفاق إلى أن القطاع رقم 9 العائد إلى لبنان فيه احتمالات إنتاج ذات “جدوى تجارية غير معروفة” من الغاز، ولذا توافَق الطرفان على أن تقوم بأعمال التنقيب في هذا الحقل شركات لا تخضع للعقوبات الدولية بما “يعيق استمرار التسهيلات الأميركية”، على ألّا تكون شركات إسرائيلية أو لبنانية. وقد طلب لبنان استبدال عبارة ألّا تكون خاضعة “للعقوبات الأميركية” بعبارة “للعقوبات الدولية” في البند الذي يتحدث عن الشركات التي يجوز لها العمل في تنقيب الغاز، ووافق على إصرار الجانب الأميركي على إبقاء عبارة بما “يعيق التسهيلات الأميركية” لاستبعاد شركات خاضعة للعقوبات الأميركية (والمقصود الشركات الروسية). ومع أن إسرائيل تخلّت عن أيّ حق للتنقيب في القطاع رقم 9، فإنها احتفظت بحق السماح للمشغل بأنشطة في بعض المناطق المحددة فيه، كما طالبت بمردود مالي مقابل هذا التخلي. وبناء عليه، ستسمح إسرائيل للشركة المشغلة للقطاع رقم 9 (أي شركة توتال) بالتحرك في المناطق جنوب الحدود البحرية، ولن تعترض على “أنشطة معقولة وضرورية” طالما أن الشركة المشغلة تبلّغها مسبقًا بهذه الأنشطة القريبة من الحدود الإسرائيلية. 

كما يشير الاتفاق إلى محادثات بين إسرائيل وشركة توتال “لتحديد حجم الحقوق الاقتصادية لإسرائيل” في احتياطيات الغاز المحتملة في القطاع رقم 9، ومن ثم سيتم الدفع لإسرائيل مقابل أيّ احتياطي غاز يجري اكتشافه في هذا القطاع من خلال “اتفاق مالي” تعقده الحكومة الإسرائيلية مع هذه الشركة. وفي المقابل، تعمل الشركة المشغلة للقطاع رقم 9 حصريًا مع الحكومة اللبنانية التي هي “غير مسؤولة أو طرف” في الاتفاق بين الحكومة الإسرائيلية وشركة توتال، ولن يؤثر ذلك في “الحصة الكاملة” لحقوق لبنان في هذا القطاع. ويقضي الاتفاق المالي بشراء الشركة حصة إسرائيل من حقل قانا والتي قدّرت بـ 17 في المئة، وسيُحتسب المبلغ بعد أن تقيّم الشركة حجم الغاز في الحقل.

تؤدي الولايات المتحدة دور الضامن لهذا الاتفاق في حال كان هناك أيّ تباينات حول تنفيذه في المناطق المتنازع عليها، وتتعهد بنص الاتفاق “ببذل جهدها ومساعيها من أجل تسهيل أنشطة لبنان البترولية على نحو فوري وسريع ومستمر”. وينتظر، بحسب وسائل إعلام إسرائيلية، أن توجّه إدارة بايدن رسالة إلى الحكومة الإسرائيلية تعطي فيها ضمانات بأن مداخيل لبنان من الغاز لن تصل إلى حزب الله.

تحديات تواجه الاتفاق

ترك الاتفاق عددًا من القضايا العالقة بين الطرفين لم يجرِ التوصل إلى حلٍ بشأنها، من ذلك مثلًا موافقة إسرائيل على بدء لبنان أعمال التنقيب عن الغاز في حقل قانا، لكنها طالبت في المقابل بالحصول على “تعويض مالي” لقاء أيّ غاز يجري استخراجه من الجانب الإسرائيلي. أما لبنان، فاعتبر أنه غير معنيّ بأيّ شراكة مع إسرائيل في هذا الحقل الذي يقع في القطاع رقم 9، وهو يعترض أيضًا على عبارة “تعويض مالي” ويطلب استبدالها بعبارة “تسوية مالية”، ويعدّ نفسه غير معنيّ بها، إذ إنها تتعلق بإسرائيل وشركة توتال. كما يصرّ لبنان على أن أيّ مبلغ تتقاضاه إسرائيل بهذا الخصوص يجب أن يكون من أرباح الشركة، وليس من ضمن الاتفاق الذي وقّعته الشركة مع لبنان للتنقيب عن الغاز في عام 2017. ولأن لبنان يحتاج إلى عدة سنوات قبل أن يتمكن من استخراج أيّ غاز من حقل قانا، فإن الحديث عن هذه التسوية المالية لن يكون أمرًا ملحًّا في المرحلة الراهنة. ويطالب الطرف الإسرائيلي بالحصول على ضمانات بأن لا تصل أيّ موارد متأتية من استخراج الغاز إلى حزب الله. أخيرًا، لا يحُل هذا الاتفاق كل مشاكل الحدود البحرية بين الطرفين، فعلى الرغم من أن الرئيس بايدن قال في بيان الإعلان عن الاتفاق إن “حكومتي إسرائيل ولبنان اتفقتا على إنهاء نزاعهما على الحدود البحرية وقررتا إنشاء حدود بحرية دائمة بينهما”، فإن الاتفاق لا يُعدّ ترسيمًا نهائيًا للحدود البحرية في ظل عدم وجود اتفاق على ترسيم الحدود البرية؛ فلبنان لا يعترف بخط العوامات البحري الذي وضعته إسرائيل عام 2000 على بعد 5 كيلومترات من رأس الناقورة باعتباره حدودًا بحرية مفترضة بينها وبين لبنان. وفي حال توترت الأوضاع بين إسرائيل وحزب الله، أو وقعت مواجهة بين إسرائيل وإيران، أو توترت العلاقات الأميركية – الإيرانية بسبب برنامج إيران النووي، فإن الأمور الخلافية قد تعود إلى الواجهة من جديد على الرغم من نشوء مصلحة جديدة مشتركة بالحفاظ على الوضع القائم.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *