التخطي إلى المحتوى

رداءة صافية كان التصويت ل”لبنان” في جلسة انتخاب رئيس الجمهورية. يكاد الاسم الذي تكرر على الأوراق القليلة يكون مسموعاً بصوت مغنٍ مغمور بلا موهبة، ينهي أغنيته الوطنية الركيكة ب “لبنااان” طويلة يرهق بها حباله الصوتية لاستدرار قشعريرة لا تصيب أحداً سواه.
الأكثر إثارة للفضول ليس التصويت نفسه، بل الاجتماع الذي اتخذ فيه هذا القرار التاريخي. لحظة الاتفاق على انتخاب “لبناان”، والتنبؤ بوقع المفاجأة-الصرخة على وطن الأرز بجناحيه.
من أول جلسة ارتطم هؤلاء النواب بسقف رؤيتهم لما يريدونه من رئيس الجمهورية. أي اسم آخر ليس بحجم لبنان، في الجلسة المقبلة، سيكون هبوطاً في الرمزية، إلا إذا لجأوا إلى وضع صورة في صندوق الاقتراع، يعانق فيها الصليب الهلال، فوق حكمة لجبران خليل جبران من وزن “الويل لأمة..”.
التصويت للبنان يبقى، على ضحالته السياسية والفنية، أقل سوءاً من التصويت لسليم إده. فالنواب الذين اقترعوا للبنان لا يختلفون في الجوهر عن معظم الموجودين في البرلمان. تقليديون مثلهم، ويمثلون طوائف مثلهم، ويجرون في الملعب الموحل ذاته. هؤلاء يمكنهم اللجوء إلى الخفة للتحايل على الورقة البيضاء المعتمدة لدى حزب الله وحلفائه. التغييريون، من جهتهم، كان يفترض بهم أن يكونوا مختلفين. هؤلاء لا يمكنهم أن يؤدوا ألعاب خفة ولو أنهم في سيرك. لا يمثلون طائفة أو حزباً أو زعيماً، بل حالة اعتراض على مستوى البلد برمته، وهي، بغض النظر عن حجمها، متنوعة وملونة ولديها رؤية ما لما تريده من البلد. التغييريون، ومنذ وصولهم إلى مجلس النواب، يبدون إما غير منتبهين إلى أنهم يمثلون هذه الشريحة من الناس، وإما أنهم غير مكترثين بها. أكثر من ذلك، يبدو أن همهم الوحيد يكمن في الحفاظ على هذا العقد الذي يجمعهم، والذي ربما من الأفضل أن يفض إذا كان سيستمر على ما هو عليه. مشغولون باختلافاتهم وخلافاتهم وقلة ثقتهم ببعضهم بعضاً، أكثر من انشغالهم بالتعبير عن موقف قاعدتهم، أو على الأقل الاستماع إليها. معظمهم غارق بكيفية تسويق نفسه كفرد، كنجم إعلام وسوشال ميديا، على حساب تقديم المجموعة كحالة سياسية مختلفة. لم ينتبهوا بعد إلى أنهم نواب، وأنهم الفرصة الأولى وقد تكون الأخيرة للخارجين من الأحزاب والطوائف كي يكون لهم صوتهم المغاير في المحفل الكريه للسياسة اللبنانية. التغييريون هم بالتحديد، الطلاب الذين يصلون إلى الامتحان متأخرين، ومن دون تحضير مسبق، ويتوهون بين المقاعد والقرارات. فجأة يقررون زيارة من يفترض بهم أنهم على الأقل خصوم قاعدتهم الشعبية، بحجة مبادرة رئاسية انقاذية شديدة شاعرية، وبمواصفات للرئيس لا تنطبق إلا على السيدة فيروز. ثم، حين تنتهي المبادرة على صور مع رموز مثل محمد رعد وجبران باسيل، يحضرون إلى جلسة الانتخاب ويقترعون لسليم إده. على الأرجح أن محرك البحث غوغل فوجئ نهار الانتخاب بهذا الاسم الذي غزاه فجأة، وأصيب بالاحراج بينما يرجع للباحثين مقالاً يتيماً يعرفون فيه أن إده “متورط بحب لبنان”، و”لديه متحف معادن”. صفتان لرئيس التغييريين المقبل بحاجة بدورهما إلى بحث جديد.
ماذا استفاد التغييريون من هذا الترشيح؟ لا شيء إلا تفجير موجة سخرية عارمة بحق سليم إده كان يفضل تفاديها، إذا افترضنا أن عدم ترشيح نفسه بنفسه، وعدم سماع اللبنانيين صوته من قبل، دليلان كافيان إلى أنه لم يكن يعلم أنه قد يصير رئيساً. وكان يمكن للتنمر المجاني الذي ناله إده أن يهدأ لولا تبرع النائب ملحم خلف بمنح المرشح سلسلة من الألقاب منها أنه الإنسان القِيَمِيّ (مع الحركات)، المتكامل علماً وأخلاقاً وصلابة وخبرة ووطنية! زميله مارك ضو، في المقابل، قال ما معناه إن إده كان واحداً من الأسماء المطروحة، وقد يتفقون على اسم آخر لاحقاً.

بين هذين الحدين، تُتخذ القرارات عند التغييريين، بين كون المرشح “إنساناً قيمياً” (خارجاً من كتاب التربية الوطنية للمبتدئين) يقفز على جمهور التغييريين من علبة ملونة كمفاجأة سعيدة ستشكل خلاصاً للبنان، وبين كونه مجرد اسم من بين أسماء أخرى. أيهما نصدق، ليس مهماً. المهم أن مفاجأة التغييريين الأخيرة بدت استخفافاً علنياً بأنفسهم وبقاعدتهم وبالعمل السياسي الذي كان يفترض بهم تأديته منذ دخولهم البرلمان.
التكتل كان إلى ما قبل الاقتراع للإنسان المجهول، خيبة أمل. بعدها صار مُحرِجاً له ولناسه. أشد إحراجاً من مجموعة من الرجال الراشدين، يكتبون كلمة لبنان على ورقة ويسقطونها في صندوق الاقتراع، وعيونهم تدمع لشدة تأثرهم بما فعلوا، بينما الجميع يضحك.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *